أخبار وطنية يوم السبت 16 سبتمبر بفضاء التياترو: لقاء بعنوان: حوار حول مناهضة التطبيع من تنظيم جمعية نشاز
حوار حول مناهضة التطبيع- نص تقديمي
خشيتنا أن تكون معركة التطبيع التي ما انفكت تدور رحاها داخل العائلة الديمقراطية التونسية بمختلف مكوناتها، وداخل الصفّ الفلسطيني نفسه، قد أتعبتنا وزادت من تمزيق صفوفنا أكثر ممّا أتعبت الكيان الصهيوني ذاته.
ولعلّ السبب في كونها أصبحت تُطرح بأكثر حدّة مرجعه تعقّد الوضع الجيوسياسي، وتوسّع قائمة الدّول العربية والإفريقية وفي بقية العالم التي اعترفت بإسرائيل (حوالي 160 دولة من أصل 193 دولة منظمة تحت لواء الأمم المتحدة) مقابل محاصرة الدول المتبقية مثل تونس، والجزائر، وسوريا، والعراق وغيرها لحملها على الالتحاق بالرّكب.
لا أحد يمكنه أن ينكر أنّ القضية الفلسطينية أصبحت في حالة انحسار بعد أن فقدت مساحات هامّة من الرأي العالمي مقارنة بالزّمن الذي كان يُنظر فيه إليها كقضية استعمار من قبل دولة فصل عنصري صُنّفت من طرف الأمم المتحدة على أنّها دولة أبارتهايد بمقتضى القرار رقم 3379 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 نوفمبر 1975 (الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري)، وبعد اعتراف العديد من الدول بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وفتح سفارات وممثليات في أكثر من مائة دولة في مختلف القارات.
ودون الدخول في تفاصيل الأسباب وراء ذلك، نقتصر على التذكير بأنّه بعد الحرب الثانية على العراق (1991)، واتفاقيات أوسلو (1993)، استعادت الثورة الفلسطينية بعضا من أنفاسها بفضل انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 وإطلاق حملة مقاطعة البضائع التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية ثمّ مقاطعة المجالات الأكاديمية والثقافية عام 2001 من طرف نشطاء عرب وفلسطينيين وكذلك شخصيات ومؤسسات أجنبية بل ويهودية مرموقة.
في 2005 تكوّنت BDS حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض وتطبيق العقوبات ضد إسرائيل حتى تنصاع للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان ووفق الأهداف الثلاثة المعلنة للحملة وهي أساسا:
1. إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعماره لكل الأراضي العربية، فضلا عن «تفكيك الجدار العازل؛
2. الاعتراف الإسرائيلي بالحقوق الأساسية للفلسطينيين المواطنين العرب في إسرائيل بالمساواة الكاملة،
3. قيام إسرائيل باحترام وحماية وتعزيز "حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم كما هو منصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194."
ورغم حرص الحركة على تدقيق تعريفاتها للتطبيع ووضع استثناءات لها وإدخال بعض المرونة على معاييرها فقد كثرت التأويلات وتراوحت بين حدّين أقصيين. فإمّا قائل بأنّ "الشخص الوحيد الذي يحقّ له دخول فلسطين المحتلة هو الذي يخرج منها شهيدا، أو يخرج من السجن، أو ناجيا بعد القيام بعملية" وإمّا مشارك في لقاءات وندوات أكاديمية أو علمية تنادي لها جهات رسمية أو جامعات إسرائيلية عرفت بتبنّيها الفكر الصهيوني.
تعريف التطبيع
التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، يجمع (على نفس "المنصة"1) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفراداً كانوا أم مؤسسات) ولا يستوفي الشرْطَيْن التاليَيْن:
1. أن يعترف الطرف الإسرائيلي بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بموجب القانون الدولي،
2. وأن يشكّل النشاط شكلاً من أشكال النضال المشترك (co-resistance) ضد نظام الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي.
يقع التطبيع في العلاقات الطوعية، وليس القسرية. وهذه الأخيرة متغيرة حسب طبيعة العلاقة الاستعمارية التي تحكم تجمعات شعبنا المختلفة. بناءً على ذلك، تراعي معايير مناهضة التطبيع والمقاطعة خصوصية هذه العلاقات، فتختلف المعايير المرعية في أراضي 1967 عنها في أراضي 1948. كما إن هناك خصوصية للقدس، إذ إن ظروف الاستعمار والأبارتهايد فيها تقع ما بين تلك الواقعة في أراضي 1948 وتلك الواقعة في أراضي 1967.
يشمل التطبيع الأنشطة التي:
أ) تساوي أخلاقياً أو سياسياً بين "الطرفين"، أي بين المستعمِر والمستعمَر.
ب) تتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة.
ج) تقدم الرواية الصهيونية الزائفة للتاريخ كرواية موازية/مرادفة للرواية التاريخية العلمية.
بين هذا وذاك ضاعت السبل وبلغ الأمر حدّ اتّهام رموز يصعب المزايدة عليها مثل محمود درويش، وإدوارد سعيد، وإبراهيم نصر اللّه، والسينمائي إيليا سليمان وغيرهم من أعلام الفن والثقافة والنضال الفلسطيني.
في تونس أيضا طرح الإشكال أكثر من مرّة سواء بمناسبة مشاركات أكاديميين تونسيين في لقاءات نظمتها جهات إسرائيلية لا تعترف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني أو فنّانين أحيوا حفلات داخل فلسطين المحتلة مع اختلاف الظروف والسياقات والجهات الداعية لها. وقد تبع جدل وتقاذف بالتّهم وشتائم لا تمتّ للنّقاش الرّصين بأيّ صلة. ولعلّ أحد أهمّ الأسباب في ذلك، بالنسبة لتونس على الأقلّ، أنّ النّقاش لم يفتح بصفة صريحة ومعمّقة وهادئة بين الأطراف المعنية من أجل إيجاد ضوابط ومعايير مشتركة قد تساعد على إيجاد بعض خطوط الفرز بين ما يمكنه اعتباره تطبيعا يخدم إسرائيل ويُضرّ بالقضية، وبين ما هو إسهام في معركة البقاء الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة.
استثناءات التطبيع
1) المشاركة العربية (بما فيها الفلسطينية) في المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض، والتي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، والتي لا تجمع (على نفس "المنصة") العرب بالإسرائيليين، لا تُعتبر تطبيعاً. ولكن يجب العمل دائما وأينما أتيحت الفرصة على إقصاء إسرائيل من هذه المحافل الدولية (بما فيها الأمم المتحدة والفيفا والأولمبياد وغيرها)، كما أقصيت جنوب أفريقيا خلال حقبة الأبارتهايد.
2) التعاون مع أطراف إسرائيلية، حتى لو كانت حكومية، لمواجهة حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب هذا التعاون، لا يعتبر تطبيعاً. فالحفاظ على حياة البشر تفوق كل معيار من الناحية الأخلاقية.
3) المشاركة في المناظرات الدولية العامة (أي التي تستهدف جمهوراً أجنبياً) المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مقابل طرف إسرائيلي، لا تعد تطبيعاً، إلا إذا كان الطرف الإسرائيلي: رئيس أو نائب رئيس أو متحدثاً رسمياً باسم أي من أجهزة الدولة الإسرائيلية حالياً أو سابقاً. وتختلف المناظرة عن الندوة أو الحوار كونها مقارعة أو منازلة فكرية-سياسية مع المدافعين عن الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، بعكس الندوة التي تساوي بين المستعمِر والمستعمَر وبالتالي تعدّ تطبيعاً.